آخر مستجدات الحرب الإيرانية: هجوم صاروخي يسفر عن مقتل 3 أشخاص على الأقل في الضفة الغربية
سماء تمطر موتاً عشوائياً: كيف خطفت صواريخ إيران أرواح ثلاث نساء في قلب الضفة الغربية ؟
لم يكن مساء الأربعاء، الثامن عشر من مارس 2026، يشبه غيره من الأمسيات في بلدة "بيت عوا" الواقعة إلى الجنوب الغربي من مدينة الخليل. في تلك البقعة من الضفة الغربية المحتلة، حيث يحاول الناس اختلاس لحظات من الفرح وسط واقع يومي مثقل بالتوتر العسكري والاقتصادي، كانت الحياة تسير بوتيرتها المعتادة. شوارع تعج بالمارة الذين يجهزون أنفسهم لاستقبال عيد الفطر، وعائلات تتسوق، ونساء يقصدن صالونات التجميل بحثاً عن مساحة صغيرة من الأمل والجمال، بعيداً عن ضجيج السياسة وأخبار الحروب الإقليمية. لكن السماء كان لها رأي آخر، فقد قررت أن تلقي بحممها على هذا المشهد الإنساني البسيط، محولة إياه في كسر من الثانية إلى ساحة مجزرة مروعة.

صالون الحلاقة... من مساحة للحياة إلى مسرح للموت
الصالونات النسائية في المجتمعات المحلية ليست مجرد أماكن لقص الشعر أو التجميل، بل هي مساحات اجتماعية دافئة وملاذات آمنة، تلتقي فيها الجارات والصديقات لتبادل الأحاديث، وتفريغ هموم الأيام الثقيلة، والضحك العفوي الذي يسرقنه من براثن واقع خانق. في ذلك المساء، كانت رائحة القهوة تمتزج بأصوات مجففات الشعر وأحاديث العيد المرتقب، قبل أن يتحول كل ذلك إلى صمت مطبق قطعه فقط أنين الجرحى ورائحة البارود والموت.
فجأة، وبدون سابق إنذار يمنح الضحايا فرصة للركض أو النجاة، شق سماء البلدة دوي مرعب. لم تكن تلك طائرات الاحتلال التي اعتاد الفلسطينيون على أزيزها، بل كانت صواريخ إيرانية، أُطلقت في سياق التصعيد الإقليمي العنيف والمستمر منذ أواخر فبراير الماضي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. سقطت الصواريخ لتضرب بشكل مباشر صالوناً للحلاقة النسائية في البلدة. تخيل المشهد: مكان مخصص للحياة والزينة يتحول في ومضة عين إلى ركام، يختلط فيه الدم بالزجاج المتناثر، وتتعالى فيه صرخات الألم والفزع بدلاً من أحاديث النساء الودية.
التقارير التي وردت من الهلال الأحمر الفلسطيني كانت فاجعة بكل المقاييس. ثلاث نساء فلسطينيات فارقن الحياة تحت الأنقاض. ثلاث حكايات، وثلاث عائلات فُجعت في لمح البصر بسبب حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. وإلى جانب الشهيدات الثلاث، أسفر القصف عن إصابة ثلاثة عشر شخصاً آخرين، أحدهم في حالة حرجة، تم نقلهم على وجه السرعة وسط حالة من الهلع والارتباك إلى مستشفيات مدينتي دورا والخليل المجاورتين للنجاة بما تبقى من أرواحهم.
أسلحة محرمة وعشوائية قاتلة
وما يزيد من بشاعة هذه المأساة هو طبيعة السلاح المستخدم. فالمسعفون الذين وصلوا إلى مكان الحادث وقفوا مشدوهين أمام حجم الدمار ونطاقه. فالذخائر العنقودية – كما أشار الجيش الإسرائيلي في تقييمه للضربة – تُعد من بين أكثر الأسلحة فتكاً وعشوائية في الحروب الحديثة. هذه الصواريخ لا تكتفي بقتل من يتواجد في نقطة الانفجار الأولى، بل تنشطر في الهواء لتنشر عشرات أو مئات القنابل الصغيرة بحجم كرة المضرب على مساحات شاسعة، كأنها تزرع حقلاً من الألغام الفورية. سقوط هذا النوع من الأسلحة على منطقة مدنية مكتظة يعني أن النجاة تصبح مسألة حظ أعمى، وأن الموت يتربص في كل زاوية، وفي كل شظية متطايرة، مما يفسر العدد الكبير للإصابات وطبيعتها البشعة.
"أضرار جانبية" في صراعات الكبار
لفهم عبثية هذه اللحظة، يجب أن نوسع عدسة المشهد لننظر إلى الخريطة الأكبر. منذ أواخر شهر فبراير من عام 2026، انزلقت المنطقة بأسرها نحو هاوية صراع مدمر ومباشر. واشنطن وتل أبيب تشنان غارات عنيفة على الداخل الإيراني، وطهران ترد بوابل يومي من الصواريخ الباليستية التي تعبر مئات الكيلومترات لتسقط في الأراضي الإسرائيلية.
يحمل هذا الحدث المأساوي دلالات قاسية ومفارقات مبكية؛ فهذه هي المرة الأولى التي يسقط فيها ضحايا فلسطينيون في الضفة الغربية نتيجة للصواريخ الإيرانية منذ اندلاع هذه الحرب الطاحنة. وفي خضم هذه الرقعة الجغرافية المشتعلة، يجد الفلسطينيون أنفسهم محاصرين في المنتصف، يدفعون ثمن صراعات الكبار بدمائهم. هم ليسوا طرفاً في الحسابات الجيوسياسية المعقدة لحروب النفوذ، ولا يملكون قرار السلم أو الحرب، لكنهم، وكما جرت العادة في تاريخ هذا الشرق الأوسط المعذب، يتحولون إلى "أضرار جانبية" في نشرات الأخبار، تُسرد أرقامهم على عجل قبل الانتقال إلى تحليل التصريحات السياسية والعسكرية المتبادلة.
مفارقة العجز وغياب الملاجئ
هنا تتجلى واحدة من أقسى صور التفاوت وانعدام العدالة في المنطقة: "حق النجاة". ففي الوقت الذي تدوي فيه صفارات الإنذار في المدن الإسرائيلية، يهرع الإسرائيليون إلى شبكة واسعة من الملاجئ المحصنة والغرف الآمنة المبنية تحت الأرض، محتمين بأنظمة دفاع جوي متطورة تنفق عليها مليارات الدولارات. في المقابل، يقف الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة عُزلاً تماماً في مواجهة الموت الهابط من السماء.
لا ملاجئ تحميهم من شظايا الصواريخ، ولا أنظمة دفاعية تعترض الذخائر العنقودية التي تمزق أجسادهم. حتى أنهم يعتمدون في الغالب على سماع صدى صفارات الإنذار القادمة من المستوطنات الإسرائيلية القريبة، أو على إشعارات الهواتف المحمولة، ليدركوا فقط أن الموت يمر الآن فوق رؤوسهم. إنها حالة من العجز المطلق؛ أن تقف في شرفة منزلك، تنظر إلى السماء المشتعلة بالانفجارات، وتدرك أن جسدك الأعزل هو خط الدفاع الوحيد الذي تملكه.
هذا الشعور المطلق بالعجز يترك ندوباً نفسية غائرة في نفوس العائلات. تخيل أنك أب أو أم، تحاول عبثاً طمأنة أطفالك وهم يرتجفون رعباً من أصوات الانفجارات التي ترج جدران المنزل، بينما أنت نفسك تعلم يقيناً أنه لا يوجد أي مكان آمن تأويهم إليه في كل الضفة الغربية. كل ما يملكه الفلسطينيون هو الانتظار، والدعاء بأن تمر هذه الليلة المروعة بسلام، وأن تسقط شظايا الصواريخ في الجبال الفارغة، لا على أسطح بيوتهم الهشة أو في صالوناتهم التي تضج بالحياة.
إن ما حدث في بيت عوا ليس مجرد خبر عابر في زحمة الأحداث المتسارعة التي تعصف بالشرق الأوسط، بل هو جرح جديد يُضاف إلى جسد مثخن بالطعنات. ورغم أن التقارير لا تشير إلى أن إيران تعمدت استهداف المناطق الفلسطينية المكتظة، إلا أن الرأس الحربي الذي يخطئ هدفه، أو يتم اعتراضه ليسقط عشوائياً، لا يحمل رسالة اعتذار لمن يقتله. بالنسبة لتلك النساء الثلاث، لم يكن يهمهن من أين جاء الصاروخ، ولا ما هي المعادلة الاستراتيجية التي يحاول إثباتها؛ كل ما كان يهمهن هو أنه سلب منهن غدهن وحرمهن من عناق عائلاتهن إلى الأبد.
ختاماً، ونحن نقف أمام هذا المشهد العبثي المليء بالدماء، لا يسعنا إلا أن نتأمل في حال منطقة أدمنت الحداد واعتادت على توديع أحبائها بلا موعد مسبق. كم من النساء والأطفال والرجال الأبرياء يجب أن يدفعوا حياتهم ثمناً لمعادلات ردع لا تنتهي؟ في تلك الليلة الحزينة، فقدت بلدة فلسطينية ثلاثاً من بناتها، واستمرت آلة الحرب العمياء في الدوران، تطحن في طريقها كل شيء جميل، وتترك خلفها أسئلة بلا إجابات وسماءً تعد بالمزيد من الموت.